← الأدب والثقافة

الهانجي: الورق الكوري الذي يعيش ألف عام

الهانجي: الورق الكوري الذي يعيش ألف عام

في كوريا حكمة قديمة تقول: «الورق يعيش ألف عام، والحرير يعيش خمسمئة». قد تبدو مبالغة للوهلة الأولى، لكن خلف هذه العبارة علمٌ دقيق وصبرٌ إنساني نادر. فالهانجي ليس ورقًا عاديًا؛ إنه مادة تتنفّس، متعادلة الحموضة، تُصنع من اللحاء الداخلي لشجرة التوت الورقي، وقادرة على البقاء أكثر من ألف عام دون أن تصفرّ أو تتفتّت. وبينما اختُرع الورق في الصين، فإن كوريا هي من أتقنته وارتقى على يديها إلى فنٍّ يعترف به اليوم متحف اللوفر والفاتيكان.

الخط الكوري
مثال على الخط الكوري للفنان هان هو (Han Ho)، أحد أشهر خطّاطي كوريا، من عمله Jeungryu Yeojang-Seochep (1543–1605)، مكتوبًا على الهانجي — الورق الكوري التقليدي عالي الجودة.
ورق الهانجي

تسعٌ وتسعون خطوة... واللمسة المئة لكِ

يسمّي الكوريون الهانجي أحيانًا «الورق المئة»، لأن صانعه يلمسه تسعًا وتسعين مرة خلال رحلة صناعته، بينما تكون لمستكِ أنتِ هي المئة التي تكتمل بها القصة.

من حصاد أشجار التوت في عزّ الشتاء حين تكون أليافها أقوى، إلى غليها في محلولٍ نباتيٍّ طبيعيٍّ مستخرجٍ من سيقان النباتات لا من الكيماويات القاسية، إلى تبييضها تحت ضوء الشمس، وطرقها على الحجر دون قطع أليافها حفاظًا على طولها وقوتها. كل خطوة صبرٌ، وكل صبرٍ سببٌ في أن يعيش هذا الورق ألف عام.

هذا القِلْي الطبيعي هو السرّ العلمي، فهو يخلق بيئة قلوية متعادلة الحموضة تمنع الورق من التبقّع «بالصدأ» مع الزمن. أما الورق الحديث المصنوع بالأحماض، فيصفرّ ويتآكل خلال قرنٍ واحد فقط.

ورقٌ عاش أطول من الإمبراطوريات

أقدم مطبوعة خشبية
مخطوطة دهاراني للنور الطاهر — من أقدم المطبوعات الخشبية الباقية في العالم، مطبوعة على الهانجي، ويعود تاريخها إلى نحو عام 751 ميلادية.

ليست هذه مجرد ادعاءات؛ فأقدم مطبوعة خشبية باقية في العالم، التي يعود تاريخها إلى نحو عام 751 ميلادية، عُثر عليها في كوريا بعد أكثر من 1200 عام، شاهدةً على قدرة هذا الورق الاستثنائية على مقاومة الزمن. وهذه الخصائص نفسها هي التي أعادت الهانجي اليوم إلى الواجهة في عالم حفظ وترميم الآثار؛ فبعد عقودٍ كان فيها الورق الياباني المعيار الأكثر شيوعًا، بدأت مؤسسات أوروبية كبرى تكتشف قوة الهانجي وثباته. استخدمه متحف اللوفر في ترميم قطعة أثاثٍ تاريخية بعدما أثبت ملاءمته من حيث القوة والثبات، كما استعان به الفاتيكان في ترميم وثيقة بخط القديس فرنسيس الأسيزي تعود إلى عام 1224. وهكذا، فالورق الذي حفظ ذاكرة كوريا أكثر من ألف عام، أصبح اليوم مادة تساعد في حفظ ذاكرة العالم.